عنف بلا صوت… وجرح بلا أثر ظاهر

في مجتمعات كثيرة، تتعرض المرأة لانتهاكات نفسية يومية لا تُسجل في محاضر رسمية، ولا تُعرض أمام القضاء، لكنها تترك آثارًا عميقة في النفس. يحدث ذلك في أماكن العمل، وفي الشارع، وأحيانًا داخل الأسرة، في علاقة غير متكافئة تجمع بين صاحب سلطة وامرأة تخشى فقدان الأمان أو مصدر الرزق، فتختار الصمت.

هذا التحقيق يسلط الضوء على العنف النفسي ضد المرأة بوصفه أحد أخطر أشكال الانتهاك غير المرئي، ويكشف أبعاده النفسية والاجتماعية والاقتصادية.

أولًا: العنف النفسي… جريمة بلا أثر مادي

تؤكد أستاذة الطب النفسي بجامعة عين شمس، الدكتورة هبة عيسوي، أن العنف النفسي لا يقل خطورة عن العنف الجسدي، لأنه يستهدف الكرامة والاتزان الداخلي.وتوضح أن أي سلوك يسبب للمرأة خوفًا، أو إهانة، أو ضغطًا نفسيًا، أو إجبارًا على ما لا تقبله، يُعد شكلًا من أشكال العنف النفسي، حتى لو تم تحت مسميات مثل “النصيحة” أو “الحرص” أو “السلطة الوظيفية”.

ثانيًا: عندما يتحول العنف إلى حالة مزمنة

تشير “عيسوي” إلى أن خطورة العنف النفسي تكمن في التكرار، إذ يتحول من موقف عابر إلى حالة نفسية مستمرة.

ومع الوقت تبدأ المرأة في:

  • الشعور بالعجز
  • فقدان القدرة على المواجهة
  • الصمت الدائم
  • الخوف من اتخاذ أي قرار

وهكذا يتحول الأذى النفسي إلى نمط حياة مفروض.

ثالثًا: شعور الدونية ولوم الضحية

من أخطر نتائج العنف النفسي شعور المرأة بالدونية وانخفاض تقدير الذات، خاصة عندما لا تجد دعمًا من محيطها.

وتزداد المشكلة عندما يتحول الدعم إلى لوم، مثل:

  • “إنتِ السبب”
  • “أسلوبك هو المشكلة”
  • “تحمّلي”

هذا النوع من الخطاب لا يعالج الألم، بل يضاعفه، ويحوّل الأسرة من مساحة أمان إلى مصدر إضافي للضغط النفسي.

رابعًا: الخوف المزمن واضطراب الشعور بالأمان

توضح الدكتورة هبة عيسوي أن التعرض المستمر للإيذاء النفسي قد يؤدي إلى قلق مزمن، يظهر في:

  • تسارع ضربات القلب
  • التوتر المستمر
  • الشعور بعدم الأمان في الأماكن العامة

وتعيش المرأة هنا في حالة ترقب دائم لتكرار التجربة، وكأن الماضي يطارد الحاضر.

خامسًا: نوبات الهلع واضطرابات النوم

في الحالات الأكثر شدة، قد تتطور الأعراض إلى نوبات هلع، يصاحبها خوف شديد وردود فعل مبالغ فيها دون تهديد حقيقي.

كما تعد اضطرابات النوم من أبرز النتائج، سواء في صورة:

  • أرق مستمر
  • أو نوم مفرط للهروب من الواقع

وذلك لأن النوم يعكس بدقة الحالة النفسية الداخلية.

سادسًا: الجوع العاطفي وتأثيره على السلوك

تشير الدكتورة هبة إلى أن بعض النساء يلجأن إلى الطعام كوسيلة للهروب من الضغط النفسي، فيما يُعرف بـ“الجوع العاطفي”.ويحدث ذلك بسبب محاولة الدماغ تعويض الألم الداخلي عبر إفراز هرمونات تمنح شعورًا مؤقتًا بالراحة، لكنه سرعان ما يزول، لتعود الحالة النفسية إلى التدهور من جديد.

سابعًا: جذور اجتماعية واقتصادية للعنف

يرى خبراء علم الاجتماع أن العنف النفسي يرتبط بثقافة مجتمعية تبرر السيطرة وتربط الصمت بالطاعة، خاصة تجاه المرأة.كما يشير خبراء الاقتصاد إلى أن الاعتماد المادي على العمل أو الأسرة قد يدفع بعض النساء إلى تحمل الإهانة خوفًا من فقدان مصدر الدخل، مما يطيل أمد بقاءهن في بيئات غير آمنة نفسيًا.

ثامنًا: الحل يبدأ من الوعي والتربية

تؤكد الدكتورة هبة عيسوي أن مواجهة العنف النفسي لا تقتصر على العلاج، بل تبدأ من التربية.

ويشمل ذلك:

  • تعزيز احترام الفتاة منذ الطفولة
  • تحقيق المساواة داخل الأسرة
  • نشر ثقافة رفض الإهانة
  • توفير قنوات آمنة لتقديم الشكاوى

كما تؤكد أهمية وجود تشريعات واضحة تحمي المرأة من العنف النفسي داخل العمل والأسرة والمجتمع.

الكرامة حق لا يخضع للسلطة

تبقى الحقوق النفسية للمرأة قضية مجتمعية وليست فردية، لأن المرأة التي تعيش تحت ضغط نفسي مستمر لا يمكن أن تكون عنصرًا فاعلًا في المجتمع.والاعتراف بالعنف النفسي هو الخطوة الأولى نحو مواجهته، بينما يمثل كسر الصمت بداية استعادة الكرامة، باعتبارها حقًا أصيلًا لا يخضع لأي سلطة أو تفاوض.

 

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version